تشهد إيران موجة احتجاجات غير مسبوقة منذ نهاية كانون الأول 2022، تُعدّ من أخطر التحدّيات التي تواجه النظام الإيراني منذ الثورة الإسلامية عام 1979. في البداية، انطلقت الإحتجاجات نتيجة الأزمة الاقتصادية الحادة التي شهدتها البلاد، مع الإنهيار المستمر للعملة الوطنية، وارتفاع معدّلات التضخُّم بشكل غير مسبوق. ومع مرور الوقت، توسعت المطالب الشعبية لتشمل القضايا السياسية، فأصبحت الهتافات المناهضة للسلطات تدعو إلى إصلاحات جذرية في النظام، بما في ذلك إعادة النظام الملكي الذي أسقطه الخميني عام 1979.
لكن مع مرور الأيام، ازداد العنف من قبل الحكومة الإيرانية، في محاولة لقمع التظاهرات. وكلّما تصاعدت قوّة الاحتجاجات، زاد قمع السلطات، ممّا أسهم في تأجيج الغضب الشعبي وزيادة الإحتجاجات.
في إيران، توجد تقاليد قديمة للتظاهرات، إذ لطالما نزل الشعب إلى الشوارع للمطالبة بحقوقه، وهو ما يمكن ملاحظته من خلال الاحتجاجات السابقة مثل عام 2009 ضدّ نتائج الانتخابات أو احتجاجات مهسا أميني في 2022.
دعوة ترامب للمتظاهرين وتهديده للنظام الإيراني
في خطوة غير معتادة، دعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب المتظاهرين إلى مواصلة احتجاجاتهم في جميع أنحاء البلاد، وأنّ «المساعدة قادمة». وعلى رغم من أنّه لم يوضّح طبيعة هذه «المساعدة»، إلّا أنّ دعوته كانت بمثابة إشعال فتيل التأثير الدولي على الوضع الداخلي الإيراني. ولم يتوقف ترامب عند هذا الحدّ، بل أعلن عن إلغاء جميع اجتماعاته مع المسؤولين الإيرانيِّين «إلى حين توقف القتل العبثي للمتظاهرين»، ممّا شكّل تهديداً قوياً لنظام طهران.
تصريحات ترامب أتت في إطار دعم الولايات المتحدة المُعلَن للمحتجّين، وهو تحوّل مهمّ في السياسة الأميركية تجاه إيران. ففي الأيام التي سبقت تصريحات ترامب، كانت المتحدّثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، قد أظهرت موقفاً أقل حدّة، معلنةً أنّ القنوات الديبلوماسية مع طهران لا تزال مفتوحة، وأنّ الرئيس لا يستبعد فرض المزيد من العقوبات أو استخدام القوّة العسكرية في حال استمر التصعيد. هذه التصريحات تُسلّط الضوء على التبايُن في المواقف الرسمية الغربية تجاه إيران، إذ لا يزال البعض في الغرب يرغب في الحفاظ على الحوار، بينما يرى آخرون ضرورة استخدام الضغوط الخارجية لإحداث تغيير.
موقف موسكو في الأزمة
من جهة أخرى، كانت روسيا تراقب من كثب، لكنّها لم تُظهر مستوى الدعم الواضح كما فعلت مع أنظمة أخرى، مثل النظام السوري. فموسكو، التي تعاني من العقوبات الغربية منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا في 2014، تعيش في البيئة الاقتصادية عينها التي تمرّ فيها إيران، وقد اعتاد البَلدان على التكيُّف مع هذه العقوبات.
وعلى رغم من أنّ روسيا تُعتبَر حليفاً لإيران في بعض القضايا الإقليمية، مثل الأزمة السورية، إلّا أنّ موقفها في التعامل مع الاحتجاجات الإيرانية يبدو أكثر تحفُّظاً. فموسكو تُركّز على أولوياتها في أوكرانيا وفي تعزيز مصالحها الاقتصادية بعيداً من التدخُّل المباشر في إيران.
وعلى رغم من العلاقات العسكرية التي تجمعهما، بما في ذلك بيع إيران للأسلحة مثل الطائرات المسيّرة والصواريخ، فإنّ الروس لا يبدون مستعدّين لدعم النظام في قمع المتظاهرين. ويتذكّر الشعب الإيراني التاريخ المؤلم مع روسيا، مثل معاهدتَي غوليستان وتركمانجاي اللتَين وُقِّعتا قبل أكثر من 200 عام، حينما أُجبِرَت إيران على التنازل عن جزء من أراضيها لصالح الإمبراطورية الروسية. لذا، فإنّ موقف الشعب الإيراني من روسيا معقّد للغاية، ولا يمكن تصوُّر أنّ موسكو ستُقدِّم دعماً عسكرياً للنظام الإيراني في ظل هذه الظروف.
العقوبات الأميركية وتأثيرها
من جانب آخر، أعلنت الولايات المتحدة في مطلع 2023 عن فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على الدول التي تتعاون مع إيران في مجالات معيّنة. وبالطبع، أثار ذلك تساؤلات حول تأثير هذه الإجراءات على روسيا. لكنّ المراقبين يرَون أنّ هذه العقوبات ستكون عبئاً إضافياً على الدول التي تعاني من العقوبات بالفعل.
فروسيا، التي تخضع لعقوبات اقتصادية منذ سنوات بسبب حربها في أوكرانيا، قد لا تتأثر بشكل كبير بالعقوبات الأميركية الجديدة ضدّ إيران، كونها اعتادت على مثل هذه الضغوط. لكن بالنسبة إلى إيران، التي تخضع لعقوبات منذ عقود، فإنّ هذه العقوبات قد تزيد من تعقيد الوضع الاقتصادي الداخلي الذي يعاني أساساً من ركود وارتفاع معدّلات البطالة والفقر.
هل يمكن أن تؤدي الاحتجاجات إلى تغيير في النظام؟
من غير المحتمل أن تؤدّي الاحتجاجات الحالية إلى سقوط النظام بشكل مفاجئ، لكن ما يبدو أكثر احتمالاً هو أنّها ستُفضي إلى بعض الإصلاحات التي قد تُغيِّر هيكل النظام بشكل تدريجي. فالمطالب الرئيسية للمحتجّين تتعلّق بتحسين الوضع الاقتصادي، تقليص دور القوات الأمنية في الحياة الاقتصادية، بالإضافة إلى توفير مزيد من الحرّيات السياسية والاقتصادية.
قد تكون هذه الاحتجاجات بداية لتغيير حقيقي في إيران، لكن مثل هذه التغييرات تحتاج إلى وقت. على سبيل المثال، خلال احتجاجات عام 2009، كان التغيير بطيئاً ولم يُحقق معظم المطالب الفورية، لكن تدريجاً أدّت هذه الاحتجاجات إلى تغيُّرات في النظام. وما يحدث الآن ليس مجرّد احتجاج على القمع السياسي أو الحرّية الاقتصادية، بل هو في جوهره دعوة للحرّية والعدالة الاجتماعية.
لا تزال الأحداث تفرض نفسها على المشهد، ويبقى المستقبل الإيراني غير واضح المعالم. الاحتجاجات لن تهدأ بسهولة، ولن تُحلّ القضايا الاقتصادية والسياسية بين عشية وضحاها. ومع استمرار دعم ترامب للمتظاهرين، وتهديده لنظام طهران، ستظل إيران في مفترق طرق حاسم قد يُغيِّر مصيرها على المدى الطويل.